ابو القاسم عبد الكريم القشيري
170
شرح الأسماء الحسنى
فصل : فوض أمورك إلى الجبار : وإذا علم أن الجبار بمعنى مصلح الأمور ، فوض أموره إلبه ، وتوكل في جميع أحواله عليه ، إن كان خيرا علم أنه مسديه ومتحفه ، وإن كان ضرا علم أنه ينجيه منه ويكشفه ، لم يحتشم من اختلال أحواله وقلّة ماله ، وكثرة عياله ، وضعف احتياله ، ثقة بلطفه وأفضاله ، واستكانة إلى جوده وكريم نواله وحسن أفعاله . وقد حكى أن رجلا كان كثير العيال ، وأنه ضاقت عليه أسباب المعيشة فهمّ أن يهرب عنهم ، فاستقبله شخص فقال له : هل تأجرني على أن تسقى طيرا لي في القفص فترويه وتأخذ منى دينارا ، فاسترخص الرجل ذلك ، وأجابه إليه ، فدله على بئر وقال : تستقى من هذا البئر وتروى هذا الطائر ، فلم يزل الرجل يسقى الطائر طول نهاره إلى المساء ، والطائر لم يرو ، فلما أمسى ضاق صدر الرجل ، فقال له ذلك الشخص : إني لست ببشر ، وإنما أنا ملك بعثني اللّه إليك ليريك ضعفك ، إنك لم تقدر أن تروى طائرا ، فكيف ترزق عيالك ! ارجع إليهم وانتظر الرزق من اللّه تعالى ، فإنه هو الرزاق لا أنت . وحكى عن بعض الصالحين أنه سئل عن سبب توبته فقال : إني كنت رجلا دهقانا ( الدهقان يطلق على رئيس القرية ) فاجتمع عليّ أشغال ليلة من الليالي ، كنت أحتاج إلى أن أسقى زرعا لي ، وكنت حملت حنطة إلى الطاحونة فوثب حماري وضل ، فقلت : إن اشتغلت بطلب الحمار فات سقى الزرع ، وإن اشتغلت بالسقي ضاع الطحين والحمار ، وكان ذلك ليلة الجمعة ، وبين قريتى وبين الجامع مسافة بعيدة ، فقلت : أترك هذه الأمور كلها وأمضى إلى القصبة « 1 »
--> ( 1 ) القصبة من البلاد مدينتها .